السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
76
مفاتيح الأصول
على كون اللفظ موضوعا للقدر المشترك بينهما أو لا بل يجب التوقف ويطلب أمارة أخرى اختلف فيه الأصوليون فذهب السيّد عميد الدين وصاحب المعالم إلى الثّاني وهو الظاهر من موضع من النهاية والإحكام وذهب العلامة في التهذيب وموضع آخر من النهاية وبعض العامة إلى الأول لأنه لو لم يكن حقيقة في القدر المشترك لزم التكرار والنقض واللازم باطل فالملزوم مثله بيان الملازمة أنّه لو كان افعل مثلا موضوعا للمرة كان قولهم مرة تكرارا وقولهم مكررا نقيضا وإذا كان موضوعا للتكرار كان قولهم مرة نقيضا وقولهم مكررا تكرارا فتعيّن أن يكون للقدر المشترك وأجيب عنه بأن التجوز والتأكيد واقعان في الكلام فلم لا يجوز أن يكون افعل موضوعا للمرة ويكون قولهم مرة في افعل مرة تأكيدا وقولهم مكررا في افعل مكررا قرينة على عدم إرادة المرة التي هي الموضوع له وفيه نظر لأن الأمر دائر في هذين القيدين بين أن يكونا مؤكَّدين ومقيدين وصارفين إلى المعنى المجازي والظاهر أن الترجيح مع الوسط لندرة التأكيد ولذا كان على خلاف الأصل وغلبة التقييد على المجاز مع أنه قد لا يمكن التجوز لانتفاء العلاقة فتأمل نعم قد يقال ما ذكر حسن لو انتفي احتمال الاشتراك بين المعنيين وأما معه فلا يرد ما ذكر لاحتمال كون القيدين حينئذ قرينتي معنيي المشترك من غير تجوز وتأكيد كما أشار إليه الأسنوي في النهاية السؤال اللهم إلَّا أن يجاب بأن الاشتراك كالتأكيد نادر فإذن لا يبعد ترجيح هذا القول ثم إنّه لا يخفى أن المقصود يتم بأصالتي عدم التأكيد والاشتراك فلا حاجة إلى أصالة عدم المجاز نعم يفيد تقويته فتدبر مفتاح صرح جماعة من الأصوليين منهم العلامة وابنه فخر المحققين بأن التقسيم يدل على كون المقسم مشتركا بين أقسامه وبه يثبتون كون اللفظ موضوعا للمفهوم الكلي وتحقيق الكلام هنا يقع في مقامات الأوّل أن المقسم لا بد أن يكون مشتركا بين أقسامه وجنسا يشملها ويتحقق في ضمنها وهو مما لا ريب فيه ولا شبهة يعتريه ولذا لا يجوز تقسيم الإنسان إلى الفرس وغيره تحقيق المطلب أن الحاجة قد تدعو إلى بيان مفهوم كلي في ضمن أفراد وذلك يتبين بلفظ التقسيم فيقال الحيوان مثلا على قسمين طويل وقصير فلفظ التقسيم والانقسام وما يشتق من هذه المادة موضوع للدلالة على ثبوت مفهوم كلي لأفراد فإذا قيل الحيوان ينقسم إلى طويل وقصير يعلم أن المقسم وهو الحيوان يتحقق في ضمنها فإذا طلب إيجاد المقسم في الخارج سواء كان بلفظ دال عليه حقيقة أو مجازا جاز الاكتفاء بأحد الفردين المشار إليهما وبالجملة لا إشكال في دلالة لفظ التقسيم وضعا على كون المقسم قدرا مشتركا بين أقسامه لا يقال يصح أن يقال حقيقة العلماء على قسمين طوال وقصار مع عدم كون المقسم وهو العلماء مشتركا معنويا ومفهوما كلَّيا بين أفراده لأنه موضوع للدلالة على جميع الجزئيات بالخصوص لأنا نقول لا بد حينئذ من التأويل إلى ما يرجع إلى المفهوم الكلي وإلَّا لما صح ذلك قطعا فتدبر الثاني المقسم لا يلزم أن يكون مشتركا بين جميع أفراد الأقسام لصحة تقسيم الحيوان إلى الأبيض والأسود مع أنّه ليس كل أبيض وأسود حيوانا خلافا للمحكي عن المعظم وهو حسن فيما إذا جعل الأقسام المفاهيم الكلية كأن يقال الحيوان ينقسم إلى قسمين الأبيض والأسود ولكنه ليس من حيث التقسيم وهو واضح وكما لا يلزم ذلك كذا لا يلزم حصر أقسامه فيما يذكره عند التقسيم فقوله الحيوان ينقسم إلى أبيض وأسود لا يدل على كونه منحصرا فيهما نعم ربما يلزم ذلك من الخارج الثالث إذا قال أهل اللغة الحيوان على قسمين فهل هو تقسيم باعتبار معناه الحقيقي فيكون قولهم في قوة أن يقال معنى الحيوان الحقيقي على قسمين فحيثما تعلق الأمر بإيجاده مجرّدا عن القرينة جاز الاكتفاء بأحدهما أو يحتمل كونه باعتبار المعنى الحقيقي وباعتبار المعنى المجازي فيكون مجملا الظاهر من الإطلاق الأوّل قطعا وكذا الظاهر منه أن ليس له معنى آخر غير ما قسم ولهذا صحّ الحكم فيما إذا قال اللغوي مثلا الحيوان على قسمين أبيض وأسود بأن لفظ الحيوان موضوع لمعنى يشملهما دون غيره وبأن التقسيم دليل الوضع للمفهوم الكلي ولكن غاية ما يستفاد من هذا كون الحيوان موضوعا لمفهوم عام يشملهما وأما أنّ ذلك المفهوم أي شيء هو فلا يتشخص قطعا فلو علق الحكم على لفظه وجب الاقتصار في إثباته للأفراد على ما علم كونه فردا مفتاح إذا استعمل اللفظ في معنيين وكان بينهما جامع قريب ومفهوم كلي يختصّ بهما فهل الأصل حينئذ أن يكون مشتركا بينهما لفظا أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر أو موضوعا للقدر المشترك بينهما اختلف الأصوليون فالذي يظهر من صاحب المعالم والسيّد عميد الدّين والأسنوي التوقف وصرّحوا بمنع ترجيح الاشتراك المعنوي وذهب إلى ترجيحه المحقق في المعارج والعلامة في التهذيب والنهاية والمبادي وروى البيضاوي في المنهاج كما عن الرازي وأتباعه ولهم على ذلك أنّه لو لم يكن حقيقة في القدر المشترك لكان حقيقة فيهما معا أو في أحدهما واللازمان باطلان أمّا الأوّل فلأنّه يكون مشتركا لفظيّا والأصل عدمه وأمّا الثاني فلاستلزامه كونه في الآخر مجازا والأصل عدمه وبالجملة لولا الاشتراك المعنوي للزم مخالفة الأصل لا محالة ولا كذلك لو كان له فيجب ترجيحه واعترض على هذا السيّد عميد الدين وصاحب المعالم بالمنع من أنّ الاشتراك المعنوي لا يلزم منه المجاز بل المجاز فيه أكثر لأن استعماله في كل واحد من المعنيين بخصوصه مجاز لعدم وضع اللفظ له بخصوصه فالاستعمال فيه استعمال في غير ما وضع له وهو المجاز لا يقال لا نسلَّم الأكثر لأن استعماله في القدر المشترك على تقدير وضعه لأحدهما مجاز أيضا لأنا نقول الاستعمال في القدر المشترك على تقدير وضعه إن وقع ففي غاية الندرة كما صرح به في المعالم فأين هو من اشتهار الاستعمال في كل من المعنيين وانتشاره وإذا ثبت أن التجوز اللازم على تقدير الأوّل